محمد متولي الشعراوي

559

تفسير الشعراوي

ولا يقول فاعبدنا . . إذن ففي كل فعل يأتي اللّه سبحانه بنون العظمة . . وفي كل أمر يتعلق بالعبادة والتوحيد يأتي بالمفرد . . وذلك حتى نفهم أن الفعل من اللّه ليس وليد قدرته وحدها . . ولا علمه وحده ولا حكمته وحدها ولا رحمته وحدها . . وإنما كل فعل من أفعال اللّه تكاملت فيه صفات الكمال المطلق للّه . إن نون العظمة تأتى لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز للعقل تكامل الصفات في اللّه . . لأنك قد تقدر ولا تعلم . . وقد تعلم ولا تقدر ، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة . إذن فتكامل الصفات مطلوب . قوله تعالى : « إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ » يعنى بعثناك بالحق رسولا . . والحق هو الشئ الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض . . فإذا رأيت حدثا أمامك ثم طلب منك أن تحكى ما رأيت رويت ما حدث . . فإذا طلب منك بعد فترة أن ترويه مرة أخرى فإنك ترويه بنفس التفاصيل . . أما إذا كنت تكذب فستتناقض في أقوالك . . ولذلك قيل إن كنت كذوبا فكن ذكورا . إن الحق لا يتناقض ولا يتغير . . وما دام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أرسل بالحق . . فإنّ عليه أن يبلغه للناس وسيبقى الحق حقا إلى يوم القيامة . وقوله تعالى : « بَشِيراً وَنَذِيراً » . . البشارة هي إخبار بشئ يسرك زمنه قادم . . والإنذار هو الإخبار بشئ يسوؤك زمنه قادم ربما استطعت أن تتلافاه . . بشير بماذا ؟ ونذير بماذا ؟ يبشر من آمن بنعيم الجنة وينذر الكافر بعذاب النار . . والبشرى والإنذار يقتضيان منهجا يبلغ . . من آمن به كان بشارة له . ومن لا يؤمن كان إنذارا له . ثم يقول الحق جل جلاله : « وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ » . . أي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس مسؤولا عن الذين سيلقون بأنفسهم في النار والعذاب . إنه ليس مسؤولا عن هداهم وإنما عليه البلاغ . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) ( سورة الكهف )